الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
331
نفحات القرآن
وعلى هذا فيكون المراد من الآية هو : إنّ الذين يعرضون عن ذكر اللَّه فَنُقَيِّضُ ونسلط الشيطان عليهم « 1 » . إنّ « نُقَيّضُ » من مادة « قَيْض » وتعني قشر البيض ثم استعملت بمعنى الاستيلاء ، واستعمال هذه المفردة في الآية أمرٌ مثير ، حيث يكشف عن أنّ الشيطان عندما يَنْقَضُّ على الإنسان يحيط به من جميع الجهات ، ويقطع اتصاله بالخارج بالكامل كما تفعل قشرة البيض بالبيض ، وهذا أسوء أنواع حجب المعرفة التي يُبتَلى بها الإنسان ، كما أنّ هناك مثلًا عند العرب يقرب معنى الآية للأذهان « استيلاء القيض على البيض » . والأسوء من هذا هو أنّ إحاطة الشيطان بالإنسان واستيلاءه عليه ومقارنته له تستمر إلى درجة تجعله يفتخر بضلالته ويحسب أنّ طريقه هو طريق الحق والهداية « وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ » . جج وقد تحدثت الآية الخامسة عن شياطين الإنس والجن الذين نصبوا العداء للأنبياء والذين أعدوا أنفسهم لابطال فاعلية تعليم الأنبياء ، ويوحي بعضهم إلى بعض أقاويل مزخرفةً باطلةً لا أساس لها من الصحة ، كما يعلّم بعضهم البعض طرق المكر والخداع ، وذلك لاغفال الناس وكتم الحقائق وجعل الحجب عليها ، وإبعاد الناس عن تعاليم الأنبياء . وينبغي ذكر هذه النقطة هنا وهي : إنّ العدو ذكر بصيغة المفرد ، بينما الشياطين بصيغة الجمع ، وهذا قد يكون من حيث إنّ الشياطين متحدون ومتفقون في سبيل إغفال الناس وخداعهم وكأنّهم عدو واحد . ويقول البعض : إنّ « عدو » هنا بمعنى أعداء أي بمعنى الجمع « 2 » .
--> ( 1 ) . راجع لسان العرب ومفردات الراغب وتفاسير القرطبي وروح البيان والميزان . ( 2 ) . تفسير روح المعاني ، ج 8 ، ص 4 .